ابن ميثم البحراني

15

شرح نهج البلاغة

واعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ - كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم فَارْضَ بِهِ رَائِداً وإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً - فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً - وإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ - وإِنِ اجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ . أقول : الوهن : الضعف . والمبادرة : المسارعة والمسابقة . وأفضى : وصل . والبغية : الطلبة . والتوخّي : القصد . وأجمعت : صمّمت العزم . وأسلمته إلى كذا : خليت بينه وبينه . وأمثل : أقرب إلى الخير . وفي هذا الفصل مقاصد : الأوّل : أنّه أشار إلى بعض العلل الحاملة له على هذه الوصيّة وهى كونه قد بلغ سنّا عاليا وأخذ ازديادا في الضعف ، وذلك أنّه كان قد جاوز السّتين فلزم من ذلك خوفه لأحد الخصال المذكورة فبادرها وسابقها إليه . وخصالا مفعول به . وعدّ من تلك الخصال ثلاثا : الأولى : أن يعجل به أجله إلى الآخرة قبل أن يوصل إليه ما في نفسه من الحكمة . الثانية : أن ينقص في رأيه ، وذلك أنّ القوى النفسانيّة تضعف عند علوّ السنّ لضعف الأرواح الحاملة لها فينقص بسبب ذلك تصرّف العقل وتحصيله للآراء الصالحة . الثالثة : أن يسبقه إليه بعض غلبات الهوى فإنّ الصبيّ إذا لم يؤخذ بالآداب في حداثته ولم ترض قواه لمطاوعة العقل وموافقته كان بصدد أن يميل به القوى الحيوانيّة إلى مشتهياتها وينجذب في قياد هواه إلى الاستعمال بها فيفتنه ويصرفه عن الوجهة الحقيقيّة وما ينبغي له فيكون حينئذ كالصعب النفور من الإبل ، ووجه التشبيه أنّه يعسر حمله على الحقّ وجذبه إليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور وتصريفه بحسب المنفعة . ثمّ نبّه على وجوب المبادرة إليه بالأدب ، وزرعه في قلبه